فالآيتين كما نرى تخيير للإمام ومن قبله النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يحكم أو أن يعرض عنهم، وإذا حكم أن يحكم بينهم بالقسط والعدل، ثم في الآية الثانية {كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} بيان بالإذن لهم أن يتقاضوا، كما في كتبهم، ولذلك قال الشوكاني في تفسير ذلك: فيه -يعني في الآية- تخيير لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الحكم بينهم والإعراض عنهم، وقد استُدل به على أن حكام المسلمين مخيرون بين الأمرين، وقد أجمع العلماء على أنه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمي إذا ترافعوا إليهم، واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم، ليس بينهم مسلم، فذهب قوم إلى التخيير؛ أي أن يتقاضوا فيما بينهم أو أن يذهبوا إلى القاضي المسلم، وذهب آخرون إلى الوجوب.
وقال الزهري: مضت السنة أن يُرد أهل الكتاب في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم؛ أي يكون لهم قاضٍ يحكم لهم بما جاء في كتبهم، إلا أن يأتوا راغبين في حكم الله فيُحكم بينهم بكتاب الله، قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} (المائدة: 49).
قال السمرقندي: وهذا القول يوافق قول أبي حنيفة أنه لا يُحكم بينهم ما لم يتراضوا بحكمنا.
ومن هذا يتبين أنه لا يجوز في بلاد المسلمين تولية القضاء لغير مسلم ليقضي بين المسلمين، أما أهل الذمة فيجوز تولية قاضٍ عليهم يحكم بينهم في معاملاتهم ومواريثهم إذا أرادوا ذلك أو لهم الخيار أن يحتكموا للقاضي المسلم فيحكم بينهم بحكم الإسلام، وعند اختلاف الخصمين مسلم وذمي يكون القضاء بينهما للقاضي المسلم قولًا واحدًا.
من هذا تبين لنا حكم تولية القاضي غير المسلم في بلاد المسلمين.
إذًا القاضي غير المسلم في بلاد المسلمين نوعان؛ نوع للحكم بين المسلمين وهذا باطل؛ لأن من شروط القاضي الإسلام، النوع الثاني قاضي ذمي للحكم بين أهل الذمة وهذا قال به أبو حنيفة وهو صحيح.
أما أن يحكم قاضي غير مسلم للمسلمين في بلاد الإسلام فلم يقل بذلك أحد.


Catat Ulasan